أن تبدأ من الصفر وتبني مشروعاً ناجحاً، تلك حكاية مألوفة في عالم ريادة الأعمال. لكن ماذا لو صنعت هذا النجاح، ثم فقدته كله، لتجد نفسك أمام جبل من الديون يبلغ عشرين مليون جنيه إسترليني؟

أغلب الناس كانوا سيعلنون إفلاسهم، وينسحبون بصمت، ويغلقون باب المخاطرة المالية الكبرى إلى الأبد.

حين التقيت رائد الأعمال البريطاني ماريو كاروتسو في برنامج شهادة القيادة الشبابية بجامعة كامبريدج، أدركت أنني أستمع إلى نوع آخر من الصمود. لم يكتفِ ماريو بالخروج من حفرة ديون بعشرين مليون جنيه؛ بل جعل من ركام انهياره المالي نقطة انطلاق لرؤية أكبر.

ترك الدراسة في السادسة عشرة، واشترى أول عقار له في الثامنة عشرة. كانت عقلية البناء حاضرة فيه منذ البداية. وحين تبدّد رأس ماله، لم تتبدّد قدرته ولا حسّه بالسوق. وبإصرار لا يساوم على الاستمرار، أعاد بناء حياته من قاع الخسارة. واليوم، هو مؤسس مجموعة كاريدون ورئيسها التنفيذي؛ مجموعة عقارية بريطانية حاصلة على جوائز، ومتخصصة في الإسكان الاجتماعي والسكن الميسّر.

وانطلاقاً من رغبة في تغيير التفكير التقليدي في قطاع الإسكان، تدير مجموعته اليوم أكثر من ٢٬٥٠٠ عقار في لندن وجنوب شرق البلاد. ولم تقتصر مهمتها على ملاحقة الأرباح؛ فقد وفّرت السكن لعشرات الآلاف، ووضعت هدفاً طموحاً لتطوير ١٠٬٠٠٠ منزل بحلول عام ٢٠٣٠.

الدرس الذي يقدّمه ماريو ليس درساً في العقارات، بل في القدرة على الصمود من الداخل. إنه يثبت أن النجاح الحقيقي لا يُقاس برصيدك في البنك، بل برفضك أن تبقى في القاع حين تسلبك الحياة كل ما بنيته.

يُقال إن سوبرمان نفسه قد لا يحتمل وطأة عجز بعشرين مليون جنيه إسترليني. لكن «سوبر ماريو» فعلها بالفعل. منحني حديثنا القصير نظرة جديدة إلى المخاطرة المحسوبة، وإلى ما يحدث حين تصبح المسؤولية الاجتماعية جزءاً من صميم العمل التجاري. غادرت اللقاء وأنا أريد أن أحمل هذا الإصرار إلى عملي، وأتطلّع بصدق إلى يوم تتقاطع فيه طرقنا من جديد، لنتعاون في مجال التقنية.

سعدت بلقائك يا ماريو.