هناك أسماء تفتح لك الأبواب قبل أن تصل إليها. «أكسفورد» أحدها. يكفي أن ترد على بطاقتك المهنية حتى يتغيّر وقع اسمك، وقبل أن تبدأ بالتعريف بنفسك، يكون الاسم الذي تحمله قد قال الكثير.

كان أندرو وايت يملك كل ذلك. بصفته عميداً مشاركاً للتعليم التنفيذي في جامعة أكسفورد، كان يشغل منصباً يحلم به كثيرون: مكانة مرموقة، وأماناً مهنياً تمنحه مؤسسة عريقة، ومستقبلاً مطمئناً له ولأسرته. من الخارج، كانت الصورة مكتملة. رجل وصل إلى المكان الذي يتمنّى الآخرون الوصول إليه.

لكن في ذروة هذا النجاح، اكتشف أمراً لم يكن مريحاً على الإطلاق: اللقب الذي يعتزّ به لم يعد يعبّر عمّا يريد أن يصبحه. صار يختبئ خلفه.

وهنا، دعونا نكن صريحين: من يترك كل هذا بإرادته؟ من يتخلّى عن مسيرة ناجحة، وعن اسم يمنحه الثقة والاحترام، ليبدأ من جديد من دون ضمانات؟ نحن نتحمّل الكثير بحثاً عن هذا القدر من الأمان. فما الذي يجعل إنساناً يصل إليه، ثم يقرّر مغادرته؟

حين تحدّث إلينا أندرو، لم يقدّم محاضرة أخرى عن صفات القائد الناجح. وضع أمامنا فكرة أشدّ إزعاجاً: قد نرغب في التغيير بصدق، ثم نبذل جهداً أكبر كي لا يحدث. سمّى ذلك «المناعة ضد التغيير».

إنها تلك الحجج المقنعة التي نسوقها لأنفسنا كلما اقتربنا من خطوة جديدة. تبدو حكمةً وحسن تقدير، بينما تحمينا في الحقيقة من مغادرة ما ألفناه. نبقى حيث نشعر بالأمان، ونؤجّل ما قد يجعلنا ننمو، ثم نسمّي ذلك قراراً عقلانياً.

في حالة أندرو، لم يكن الفشل ما يمنعه من التغيير. كان النجاح. فكيف تقنع نفسك بمغادرة أكسفورد، وأنت تملك بالفعل ما يعتبره الآخرون نهاية سعيدة لأي مسيرة مهنية؟

لكنه وصل إلى لحظة لم يعد فيها هذا السؤال كافياً لتبرير البقاء. لحظة سمّاها «العتبة»: أن تدرك أنك تجاوزت الدور الذي اعتدت أن تعرّف نفسك به، لكنك لم تدخل بعد الحياة التي تريدها.

لم يكن يتحدّث عن ترقية، أو منصب أعلى، أو سطر جديد في السيرة المهنية. كان يتحدّث عن المسافة المقلقة بين ما تعرفه جيداً ولم يعد يشبهك، وما تتوق إليه ولا تملك له ضماناً. أن تريد حياة جديدة، وتظل في الوقت نفسه خائفاً من خسارة القديمة.

ثم واجه نفسه بسؤال لا يمكن الالتفاف عليه: كيف تدعو الآخرين إلى الشجاعة وأنت تحتمي بالمألوف؟ كيف تقف أمام قادة، وتحفّزهم على خوض المجهول، ثم تستثني نفسك من النصيحة كلما جاء دورك؟

لذلك فعل ما بدا غير معقول. ترك أكسفورد.

تخلّى عن اللقب والمظلّة المؤسسية، واختار أن يبدأ طريقه مستشاراً مستقلاً في القيادة والتغيير. لم يكن ينتقل من ضمان إلى ضمان آخر؛ كان يقبل مخاطرة البداية، ويطبّق على نفسه ما كان يدعو الآخرين إليه.

كنت أستمع إليه، لكنني لم أعد أفكّر في أكسفورد. كان حديثه يعيدني إلى نفسي. تحوّلت الندوة من حكاية رجل عن قرار اتخذه، إلى أسئلة يصعب أن يسمعها المرء من دون أن يراجع بعض قراراته.

هل أنا عالق فعلاً، أم أن ما حقّقته جعلني أخشى المجازفة من جديد؟ هل أحافظ على نجاحي، أم أختبئ فيه؟ وهل يمكن أن تتحوّل الإنجازات التي أفتخر بها إلى الأسباب نفسها التي تمنعني من التقدّم؟

هذا ما بقي معي من حكايته: ليس الفشل وحده ما قد يوقفنا. أحياناً يمنحنا النجاح مكاناً مريحاً إلى درجة ننسى معها أن نسأل إن كنّا ما زلنا نريد البقاء فيه.

أندرو طويل القامة، ومن السهل أن تمزح بأن منطقة الراحة لم تكن على مقاسه. لكن بعد سماع حكايته، لم تعد العبارة مجرد مزحة. فبعض الأماكن لا نغادرها لأنها سيئة، بل لأن البقاء فيها أصبح يتطلّب أن نصغّر ما نريده من أنفسنا.

سنقف جميعاً، في مرحلة ما، أمام باب كهذا. وحين يأتي دورك، لن يكون السؤال عمّا إذا كان المكان الذي ستتركه جيداً؛ بل عمّا إذا كان ما يزال يتّسع لما تريد أن تصبحه. فهل ستعبر، أم ستواصل الانحناء كي تبقى؟